أحمد مصطفى المراغي
111
تفسير المراغي
وتنتقل المحصولات من بلد إلى آخر ومن قطر إلى قطر ، وفي هذا عمار للأرض وانتظام أمور العالم . ثم ذكر فذلكة لما تقدم فقال : ( فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ) أي إن خلق الأرض وجعل الرواسي فيها في نوبتين ، وإكثار خيراتها وتقدير أقواتها في نوبتين فيكون ذلك في أربع نوبات كما يقول القائل خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام وإلى الكوفة في خمسة عشر يوما : أي في تتمة خمسة عشر يوما . وقصارى ذلك - إن حصول جميع ما تقدم من خلق الأرض وخلق الجبال الرواسي فيها وتقدير الأقوات في أربعة أيام . ( سَواءً لِلسَّائِلِينَ ) أي في أربعة أيام كاملة وفق مراد طالب القوت ومن له حاجة إليه وهو كل حيوان على وجه الأرض كما قال : « يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » فالناس والحيوان جميعا كلهم سائلون ربهم ما يحتاجون إليه من طعام وشراب ولباس ورداء - سؤالا طبيعيا مغروسا في جبلّتهم . ولما كان الإنسان يهتمّ بحال ما حوله من الأرض قدّم ذكرها وبين أنها هي وما عليها قد كوّنها في أربع نوبات ، فنوبة لتجمد المادة الأرضية بعد أن كانت غازا ، ونوبة لتكميل بقية طبقاتها ويدخل في ذلك معادنها ، ومرة للنبات وأخرى للحيوان . ولما انتهى من الكلام في الأرض أخذ يذكر السماء ، فالترتيب في الذكر فحسب فقال : ( ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ ) أي ثم دعا داعى الحكمة إلى خلق السماء وهي مادة غازية أشبه بالدخان أو بالسحاب أو بالسديم ؛ وتسمى في العلم الحديث ( عالم السديم ) وقد شاهدوا من تلك العوالم اليوم عوالم كثيرة في عالم السديم آخذة في البروز كما برزت شمسنا وسياراتها ، وأرضها وكانت في الأصل دخانا .